حسن الأمين
238
مستدركات أعيان الشيعة
فقال : قاتله الله ، أما علم أن الجسم محدود ، والكلام غير المتكلم ، معاذ الله وأبرأ إلى الله من هذا القول ، لا جسم ، ولا صورة ، ولا تحديد ، وكل شيء سواه مخلوق ، وإنما تكون الأشياء بإرادته ومشيئته من غير كلام ، ولا تردد في نفس ، ولا نطق بلسان ( 1 ) ) * . فان المقولة على مصطلح هشام لا تدل على التجسيم المعنوي ، كما أثبتنا مفصلا ، فلا يكون كلام الامام ع متوجها إلى هذه الجهة ، بل إلى جهة المخالفة في كلامه ، وهي مشكلة إطلاقه اسم الجسم على البارئ تعالى . وكذلك رواية يونس بن ظبيان ، قال : دخلت على أبي عبد الله ع فقلت له : إن هشام بن الحكم يقول قولا عظيما ، إلا أني أختصر لك منه أحرفا ، يزعم : أن الله جسم ، لأن الأشياء شيئان : جسم وفعل الجسم ، فلا يجوز أن يكون الصانع بمعنى الفعل ، ويجوز أن يكون بمعنى الفاعل . فقال أبو عبد الله ع : ويله ، أما علم أن الجسم محدود متناه ، والصورة محدودة متناهية ، فإذا احتمل الحد احتمل الزيادة والنقصان ، وإذا احتمل الزيادة والنقصان كان مخلوقا . ) * قال : قلت : فما أقول ؟ ) * قال : لا جسم ، ولا صورة ، وهو مجسم الأجسام ، ومصور الصور ، لم يتجزأ ، ولم يتناه ، ولم يتزايد ، ولم يتناقص ( 2 ) ) * لو كان كما يقول ، لم يكن بين الخالق والمخلوق فرق ، ولا بين المنشئ والمنشأ ، لكن هو المنشئ ، فرق بين من جسمه وصوره وأنشاه ، إذ كان لا يشبهه شيء ، ولا يشبه شيئا ( 3 ) فكلام الامام ع « ويله . . . إلى آخره » مذكور بعد دليل مصطلح هشام الذي هو الأساس لمقولته ، وقد عرفنا أن المقولة لا تدل إلا على التجسيم اللفظي والاسمي ، فمقصود الامام ع الاستنكار على هشام أن يستعمل كلمة الجسم - ولو على مصطلحه - اسما للبارئ تعالى ، مع أن المفهوم العرفي العام للكلمة هو المحدود المتناهي ! ورواية الصقر بن أبي دلف ، قال : سألت أبا الحسن ( الهادي ) علي بن محمد بن علي بن موسى الرضا ع عن التوحيد ، وقلت له : إني أقول بقول هشام بن الحكم ؟ فغضب ع ثم قال : ما لكم ولقول هشام ! إنه ليس منا من زعم أن الله عز وجل « جسم » ونحن منه براء في الدنيا والآخرة . ) * يا بن أبي دلف : إن الجسم محدث ، والله محدثه ومجسمه ( 4 ) حيث جعل المدار فيها على « قول هشام » وقد عرفنا أن قوله هو التجسيم الاسمي دون المعنوي . ولعل ما ورد في الروايات من نسبة القول بالجسم ( بنحو مطلق ) إلى هشام ، من أثر عدم درك بعض الرواة لمقولة هشام بشكلها الدقيق وتصورهم أنه يقول بالتجسيم المنصرف إلى الحقيقي ، وعرضهم ذلك على الأئمة ع ، فكان ذلك يستدعي هجوم الأئمة على ذلك ، وعلى المنقول عنه الذي هو هشام ( 5 ) وكذلك يمكن حمل الروايات المتضمنة لاختلاف الأصحاب في الجسم والصورة ، على تنازعهم في إطلاق لفظي « الجسم » أو « الصورة » عليه تعالى لا القول بأنه جسم أو صورة ( 6 ) لوضوح كون هذا القول كفرا مخرجا عن الملة ، فكيف يمكن أن يقع في الطائفة نزاع كبير في ذلك ، وهو لم ينقل عن أحد من رجال الشيعة ، كما نقل عن بعضهم القول بإطلاق اسم « الجسم » . ثم إن رواية نقلها الكشي ، تحدث فيها عن مخاصمة جمع من كبار الأصحاب فيما اختلفوا فيه من التوحيد وصفة الله عز وجل ، فكتب أحدهم إلى أبي الحسن موسى الكاظم ع يحكي له مخاطبتهم وكلامهم ويسأله أن يعلمه : ما القول الذي ينبغي أن ندين الله به من صفة الجبار ؟ فأجابه في عرض كتابه : إن الله أجل وأعلى وأعظم من أن يبلغ كنه صفته ، فصفوه بما وصف به نفسه ، وكفوا عما سوى ذلك ( 7 ) فالظاهر من السؤال والجواب ، هو أن البحث والمناظرة والخلاف الواقع بين الأصحاب إنما كان في إطلاق الصفات على الله تعالى . وهذا القدر من تصرف هشام ، في لفظ « جسم » ولو بالتواضع والاصطلاح لم يكن مستساغا من شخصية علمية عظيمة مثل هشام ، لأن شخصا مقتدرا قد تسنم القمة الشماء في علم الكلام ، والمناظرة ، وهو منسوب إلى مذهب الشيعة ، مذهب أهل البيت ع لا بد أن لا يغفل عن أن الأعداء مترصدون له ولأمثاله من أنصار الحق ، لاقتناص أية كلمة ، ليقيموا الدنيا ولا يقعدوها ، ويجعلوا من الحبة قبة - كما يقول المثل - ويغروا بنا كلابهم ، ويثيروا علينا غوغاءهم ، ويتهموا كل الطائفة ، من أولها إلى آخرها ، حتى الأئمة الأطهار سلام الله عليهم دعائم العدل والتوحيد . فكان لا بد لهشام أن يتأبى من استعمال هذه الكلمة لأنها مدعاة لاتهامه بالتجسيم ، ومغرية للجهلة بالهجوم عليه ، وعلى الطائفة التي ينتمي إليها . فمع أنا عرفنا أن المقولة « جسم لا كالأجسام » ليست إلا دليلا على التنزيه ، نافية لحد التعطيل وحد التشبيه ، وبالرغم من اعتراف كافة الفرق الإسلامية بأنها لا تدل على التجسيم الحقيقي ، وإن دلت على التجسيم اللفظي الاسمي ، فمع كل هذا نجد أن أصحاب الفرق قد حاكوا تلك الحكايات البشعة ضد هشام ونسبوها إليه زورا وبهتانا ، واختلقوا مذهبا وهميا نسبوه إليه باسم « الهشامية » ، إلى آخر الترهات التي يندى لها الجبين . فلأجل مثل هذه الغفلة من هشام ، هذه الغفلة التي سببت للأئمة ع هذه المشاكل ، وللطائفة هذه العراقيل والاتهامات ، مما كانت في غنى عنه ، لجا الأئمة ع إلى توجيه العتاب الشديد إلى هشام
--> ( 1 ) التوحيد - للصدوق - : 100 ح 8 ( 2 ) إلى هنا أورد المفيد في الحكايات : 132 . ( 3 ) التوحيد - للصدوق - : 99 ح 7 . ( 4 ) التوحيد - للصدوق - : 104 ح 8 . ( 5 ) التوحيد - للصدوق - : 98 ح 4 و 99 ح 6 . ( 6 ) التوحيد - للصدوق - : 100 ح 9 و 101 ح 12 و 13 و 14 . ( 7 ) اختيار معرفة الرجال : 279 - 280 ح 500 .